حدود العنف

نظرة عامة

يظل العنف المنظم الواقع من إنسان على إنسان جزءًا من التجربة الإنسانية. في الكثير من الأحيان، تواصل الأنظمة المستبدة هذا العنف. وفي مواقف أخرى، يمثل العنف استجابة الناس الذين يتمردون على الأنظمة الظالمة.

في هذا الكتاب “حدود العنف: دروس من حياة ثائر”، يجمع إيرا كاليف ذكريات وتأملات إلان لو فيو، وهو ثائر يبلغ من العمر مائة عام عايش الكثير من الاضطرابات السياسية التي حدثت في القرن الحادي والعشرين.

في إطار المنطق القائل إن الناس يملكون الحق للوقوف في وجه نظام قمعي، يوضح إلان المنهجيات العنيفة للكفاح الثوري، ومشروعيتها، وعواقبها، وحدودها. ويحلل التحدي المتمثل في استبدال نظام ظالم دون تحول الثائر إلى الظالم الجديد. وبواسطة هذا النهج، يسهم إلان في وضع تصور للقيم الأسمى لأية ثورة صادقة، وتنميتها، والحفاظ عليها بصرف النظر عن آرائها الأيديولوجية.

dumb

نصيحة إلان لثوار القرن الحادي والعشرين تتمثل في أن يتبينوا أولًا إذا ما كان بإمكانهم تحقيق أهدافهم بواسطة إصلاحات قبل استنتاج أن الثورة هي الآلية الوحيدة.

بمجرد استنفاد مفاوضات التحرر من الظلم، يدعو إلان إلى التفكير في أدوات ثورية حديثة يمكن أن تصبح فعالة مثل الكفاح المسلح التقليدي أو أكثر منه فاعلية.

إذا كان الحكم النهائي يتمثل في أن العنف لمواجهة العنف هو مسار العمل المحتمل الوحيد، يحلل إلان كيفية القيام بهذا دون التحول إلى فرد عنيف أو دون إنشاء نظام لا يقل ظلمًا عن النظام الذي يحاول الثائر الإطاحة به.

طوال هذا الكتاب، يقدم إلان مسارًا ثوريًّا أخلاقيًّا لكي تتحول إلى شخصية تاريخية عظيمة سوف يجلها ويقدرها أجيال المستقبل.


مراجعة تحريرية

قادة ثوريون

عبر حكايته، يشير إلان كثيرًا إلى ثلاثة قادة ثوريين من القرن الحادي والعشرين: فلاديمير إيليتش أوليانوف أو لينين، الذي مارس السلطة بلا هوادة باسم الثورة، وإرنستو “تشي” جيفارا الذي انجذب بين الحب والكراهية مثل قائدي الثورة الكوبية، ونيلسون روليهلاهلا مانديلا الذي مارس وسائل سلمية لتغيير الظلم وحمل الأسلحة، ومع ذلك لم يتحول إلى زعيم عنيف ولم يؤسس نظامًا عنيفًا.
عبر هذه الأمثلة، يحلل أسئلة مثل: ما الغرض من السلطة؟ متى يمكن توخي الوسائل العنيفة، إن وُجدت؟ وكيف يمكن أن يطغى العنف على القائد والثورة؟ وكيف يمكن الحد منه حتى لا يخون أهداف الثورة؟ وما الدروس التي يمكننا تعلمها من أجل زماننا؟

تابعون ثوريون

إن تفرد منهج إلان يتمثل في تركيزه على دور التابعين الثوريين بصفتهم أمناء على النجاح النهائي للثورة. في هذا الصدد، يوفر إلان مجموعة من الخطوط الإرشادية لإقامة تفاعلات إيجابية في علاقة القائد والتابع. وإلى جانب وضع حد للعنف، يؤكد إلان على وجود حد للطاعة وعلى وجود فارق واضح بين الولاء للقائد والولاء للثورة وقيمها الإنسانية الرئيسية.


شكر وتقدير

When Corporations ديفيد كورتن: مؤلف كتابي
The Post-Corporate و Rule the World
.World: Life After Capitalism

يا له من كتاب يناسب زماننا. المخطوط يتميز بقوة مظلمة، بينما يحمل إحساسًا بالحكمة المهمة المتصلة بجميع الثوريين، الذين يشملون البعض منا الذين يرفضون الوسائل العنيفة.

فيليكس أولوا: محامي سلفادوري حاصل على درجة الدكتوراه،
وعضو سابق بالائتلاف الثوري لجبهة جبهة فارابوندو مارتي
للتحرير الوطني والجبهة الوطنية الديمقراطية خلال الحرب
(1970-1980)الأهلية في السلفادور

لو نُشر هذا الكتاب في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، لعشنا في عالم أفضل اليوم؛ فهو يمنح نوع الأدوات التي يمكن أن تغير مسار البشر.

سابرينا كيلين، النسخة الإسبانية

مدخل ممتع للغاية وسهل القراءة للإشكالية المعقدة الخاصة بالأنظمة المستبدة الثورية التي جلبت الكثير من الإحباط إلى أولئك الساعين إلى المثالية اليوم، والأمس، وإلى الأبد.

دانيال ألفارادو، النسخة الإسبانية

مجموعة مختصرة من الدروس لجميع أولئك القريبين إلى قائد قوي في العالم الاجتماعي والسياسي على حد سواء وكذلك في السيناريوهات المؤسسية وحتى الأسرية.

أميليا ماسيا، النسخة الإسبانية

أحب شخصية العجوز إلان. إن روايته جذابة لدرجة أنني قرأت الكتاب بكامله للمرة الأول في ليلة واحدة فقط، مع الأخذ بعين الاعتبار أنني لست مهتمة كثيرًا بالسياسة. يمكن قول إن هذا الكتاب يجذب حتى أكثر الناس تحفظًا.

فرانسيسكو، النسخة الإسبانية

دون الوصول إلى الحالات المتطرفة للثورات المسلحة، تنطبق دروس إلان أيضًا على الحكومات التقدمية التي تصل إلى السلطة بدعم شعبي قوي. وفي أعقاب تحقيق التغيرات التي وُعد بها خلال الدعاية الانتخابية، تسقط هذه الحكومات في فخ النزعة إلى منع الحوار مع المعارضة وتعرض نفسها إلى أعداد لا حصر لها من الأفعال المزعزعة للاستقرار، وحتى الانقلابات، التي تحظى تدريجيًّا بالتوافق بين الأغلبية غير الراديكالية التي منحتها دعمها في الانتخابات.

فصل معروض

الفصل 3: وحوش وفوضى ثورية

القسم 1: ما الذي يصنع وحشًا؟

حين ننظر إلى صور الطغاة وهم أطفال لا نستطيع أن نلتقط أية دلائل على الشخصيات المتوحشة التي أصبحوا عليها. ولعل أعظم الاحتياجات البشرية إذا أريد لنا أن ننضج أخيرًا كجنس بشري هو فهم كيف يصبح الوحوش قادة سياسيين أو كيف يصبح القادة السياسيون وحوشًا. نحن لا نعرف الإجابة عن هذا السؤال المهم, ولا نعرف حتى إذا كان كون المرء قائدًا سياسيًّا يُخرِج الوحش الذي بداخله أم إذا كان الوحش هو من يسعى للسلطة السياسية.

ولو كنا قد عرفنا هذه الأشياء فلعلنا كنا قد أنقذنا مائة مليون شخص في القرن العشرين من الموت المبكر والوحشي. نستطيع بالكاد أن نفهم هذا, فهو أمر مربك للغاية! لكن حقيقة أننا لا. نعرف الإجابات لا تعني أننا لا نستطيع أن نعرف شيئًا عن الموضوع, ربما بالقدر الكافي لتجنب ظهور وحش معين في مكان وزمان معينين. وربما يكون هذا المكان والزمان هو مكانك وزمانك.

من المرجح أنك تحارب وحشًا بالفعل. الأمر ليس كذلك بالضرورة؛ إذ إن النظام في حد ذاته قد يكون فاسدًا للغاية حتى إنه قد يقوده أكثر من وحش. وربما يكون قد صنع وحوشًا صغيرة وكثيرة. ولكن بغض النظر عن هذا, فإن الأمور البشعة تحدث، وفي كثير من الحالات، يتولى السلطة العليا فرد يتحول إلى وحش أو يتسامح مع الأفعال الوحشية.

لكن الحقيقة المفزعة التي يجب أن أواجهك بها هي أن الكثير من هؤلاء الوحوش, الأموات منهم والأحياء, كانوا ذات يوم ثوارًا مثاليين, ومن ثم فإن هذا النقاش شديد الأهمية لك. لا أدعي بالضرورة أنهم كانوا وحوشًا قبل الثورة وفي أثنائها؛ فقد كانوا في كثير من الأحيان أشخاصًا حالمين وشجعانًا, لكننا نعلم أن الكثيرين من الثوار يتصرفون كالوحوش بمجرد أن تنجح الثورة.

يا لها من فكرة مفزعة! وهي التخوف من نتائج نجاح الثورة حين تكون في حد ذاتها تحارب وحوشًا! هذا قد يبدو دعاية معادية للثورة, وأسلوبًا للارتباك, ودعوة للتقاعس. لكن الأمر ليس كذلك! بل إنه تحذير, بوق يحذر من أن مخاطر الانتصار كبيرة مثل مخاطر الهزيمة, فلا بد أن نفكر الآن كيف سنتعامل مع النصر إذا كان نصرًا يستحق الفوز ونصرًا يستحق القتل والموت دونه.

لا يبخل علينا التاريخ بتقديم الأمثلة على الانحرافات؛ فقد فاض علينا القرن العشرين المنصرم مؤخرًا بنماذج دموية, ما جعلها تكاد تكون طبيعية لا غرابة فيها؛ فالقادة الذين اعتمد عليهم الناس لقيادتهم عبر مسار جديد, حولوا هذا المسار بطريقة أو بأخرى إلى طريق سريع إلى الجحيم, مليء بالمقابر الجماعية والأطفال الجوعى والقرع على الأبواب في منتصف الليل, والزنازين التي تتعالى فيها أصوات النحيب, وأدوات التعذيب وعظام هؤلاء الذين ماتوا وهم صارخون ومُحطمون. إذا كنا لا نستطيع معرفة الإجابة النهائية على كيفية حدوث ذلك, فماذا يمكننا أن نعرف عن ذلك؟ ماذا يمكنك أن تفعل حيال ذلك حتى تكون ثورتك وقادتها المبجلون متسقين مع رؤيتهم, الرؤية التي تقاتل من أجلها, حتى لا يستسلموا لهذه القوة الأخرى التي لا يزال علينا توضيح طبيعتها؟

لا بد أن نبدأ من داخل أنفسنا؛ فبداخل كل منا هناك بيضة أو بذرة صغيرة لوحش. قد لا يكون هذا صحيحًا تمامًا, لكنه صحيح لكثير منا, فهناك نظريات مختلفة عن هذه البيضة, بعضها ديني, وبعضها تطوري, وبعضها بيوكيميائي. نحن لا نعرف أي النظريات هي الصحيحة. وكذلك لا نعرف كيف تصبح هذه البيضة مخصبة, وكيف تبدأ في التطور. تبحث دائمًا السير الذاتية للوحوش عن هذا؛ فهي تبدو دائمًا قصة فردية. الأب الذي فعل هذا, والأم التي فعلت ذلك. والأخ الحبيب الذي قُتل نتيجة لمعتقداته الإصلاحية, ما يؤدي إلى وجود رغبة جامحة في الانتقام. وبالنظر إلى الماضي نستطيع دومًا أن ننسج بعض القصص لشرح ما نحتاج بشدة لأن نفهمه, لكن تلك القصص قيلت بعد وقوعها ونادرًا ما تكون مجدية لنا في الوقت الحالي.

أؤكد لك, أيها الثائر الشجاع, أنك لا بد أن تفترض أن البيضة موجودة بداخل كل منا وبالأخص بداخلك. يمكنك أن تتخيلها إذا رغبت في ذلك. أعطها شكلًا ولونًا, واشعر بوزنها وملمسها ودرجة حرارتها. اشتم رائحتها ثقيلة الوطأة المنذرة بالسوء, واجعلها داخل عقلك تشبه شيئًا حقيقيًّا لأنها, ورغم أنها غير مرئية, حقيقية تمامًا كالحمض النووي الذي يشكل كل جانب من جوانب جسمك. كن على دراية بأن داخل تلك البيضة, تقبع كل البشاعة التي عرفها العالم. وحينما تتاح الظروف المناسبة, ربما تُحتضن, ثم تفقس, ثم تسيطر عليك. فعند منحها العوامل المؤثرة الخطأ والفرصة المناسبة وقدرًا معينًا من السلطة قد تفقس بداخلك وتستخدم قوة حياتك لدعم وتنمية الوحش الذي يرقد خاملًا في حويصلتها.

لذا علينا أن نتعلم كيف نجهض عملية ولادة الوحوش بالنظر أولًا داخل أنفسنا وبإدراك أن الوحوش الموجودة بداخلنا خطيرة مثل الوحش الموجود بالخارج, وأنها أكثر مكرًا. بطريقة أو بأخرى, دخل حصان طروادة بواباتنا واختبأ بداخل أسوارنا, منتظرًا اللحظة المناسبة للكشف عن نفسه وتدميرنا. وكما هي الحال في ظل الاستعمار والاستعمار الجديد, دخلت الكراهية الذاتية قلوبنا وشكلت طبقة أسفل بشرتنا. إن المعركة الكبرى التي يجب أن تخوضها هي إدراك أن العدو بداخلنا, وأننا يجب ألا نطلقه على الآخرين. وحتى إذا كانت فلسفتنا تنص على أن هذا العدو تفكير رجعي أو تفكير مانوي أو شيطان أو جني أو شعوذة, فهولا يزال بداخلنا ولا بد للمعركة أن تخاض بالداخل دون إزاحتها على الآخرين.

لا بد أن نستدعي القوة الكبرى لدينا, سواء كنا نراها رشدًا أم إرادة أم إلهًا ونبيًّا أم شعورنا الأساسي بالفضيلة. لا بد أن نستدعي هذه القوة ونستخدمها لامتلاك القوة الأخرى الموجودة بداخلنا والتي أصبحت جزءًا منا. حينما نراها جزءًا منا, وندرك أن الجزء لا يستطيع أن يكون أقوى من الكل, يمكننا تنحيتها جانبًا كقدرة محتملة ولن نسمح لها بالظهور. لا بد أن نفعل هذا بأنفسنا من خلال المسئولية الشخصية و, في الوقت ذاته, لا بد أن نستخدم ما نملكه من وسائل الدعم المتاحة لنا ثقافيًّا لمساعدتنا على فعل هذا. نستطيع أن نصلي, نستطيع أن نصوم, نستطيع أن نطلب المشورة أو النصيحة, ونستطيع أن نستفيد من النقد الذاتي العام أو نتشارك أكثر المخاوف قتامة لدينا مع رفيق موثوق به. ومهما كانت سيطرتنا غير مثالية, فلا بد أن نسيطر.

أريد منك الآن أن تتوقف وتبحث عن هذه البيضة! فإذا كانت ثورتك مهمة لك, كما أعرف أنها كذلك, فأنا أريد منك أن تتوقف الآن وتبذل ما بوسعك لإيجادها بداخلك.

كون صورة في ذهنك. لا يهم إذا ما كانت الصورة واضحة أم رديئة. افعل فحسب ما بوسعك, وبعد ذلك حدد داخل جسمك الموقع الذي قد تكون فيه هذه البيضة التخيلية مختبئة. شاهدها وهي ترقد هناك مختبئة غير ملاحَظة ومنتظرة الظروف المناسبة. أنا أتحدث بجدية. أغلق عينيك وأبقهما كذلك حتى تستطيع أن تتخيل هذه البيضة بداخلك, ثم افتح عينيك مرة أخرى وواصل القراءة.


أَمَا وقد استطعت تخيل هذه البيضة, فتخيل الظروف التي من شأنها أن تؤدي إلى حضن هذه البيضة بداخلك. هل الموت الوحشي لهؤلاء الذين تحبهم هو ما يخصب البيضة؟ هل الرغبة في الانتقام من هؤلاء الذين أخطأوا في حقك هي ما يخصبها؟ هل الوصول غير المحدود لحسابات البنوك السرية والحفلات الجنسية هو ما أطلق هذه الشرارة؟ هل نكهة القوة التي تصاحب تعذيب شخص آخر تثير مركز المتعة في دماغك أكثر من الإدمان؟ هل جنون الشك في أن الآخرين كانوا يشتهون السلطة التي حصلت عليها هو ما جعل الوحش في البيضة ينمو؟ هل العمل ليل نهار وعامًا تلو عام, وأنت لا تفكر في شيء إلا الحصول على السلطة جعل الوحش يفقس؟ هل كونك محاطًا بأشخاص يخضعون لأوامرك متى أطلقت عليهم جام غضبك, يعلمون الوحش أن ينمو بوحشية أكبر؟ هناك تركيبة من الظروف المواتية لحمل هذه البيضة التي يجب أن تنتبه لها وتراقبها.

من فضلكم, أبنائي وبناتي, استغرقوا وقتًا الآن لغلق أعينكم واكتشاف ماهية القوة الكامنة بداخلكم. اجلسوا هادئين لفترة من الوقت, ثم تأملوا هذا, ثم استأنفوا القراءة. إن معرفة نفسك أكثر أهمية من قراءة كلماتي؛ فهي ستكون مجرد كلمات جوفاء إذا لم تستخدمها لمعرفة نفسك.

أشكرك على شجاعة اكتشاف قدرتك الكامنة على الشر؛ فهذه هي الشجاعة ذاتها التي نطلبها من المجتمع, لاكتشاف شره وفهمه. وحينها فحسب يمكن أن يتغير عن أن يكون الشيء غير العادل الذي أصبح عليه. يبدأ الأمر بشجاعة رؤية الأجزاء غير الجذابة في أنفسنا والتي نفضل أن نتبرأ منها. وبالتخلص من البنية الفوقية التي تخبرنا بأننا جيدون, وبالاعتراف بأننا جيدون جزئيًّا وغير جيدين جزئيًّا – عندئذ يمكن أن تبدأ عملية الاختيار بشأن تغيير الأشياء.

نستطيع الآن أن نبدأ المرحلة التالية من الرحلة. إذا كانت هناك ظروف مواتية لإيقاظ بذرة الحقد, فهناك بالطبع ظروف غير مواتية لفعل ذلك. ما هذه الظروف؟ هذا سؤال ملح يجب أن يجيب عنه كل فرد تتراكم سلطته. ما الظروف التي يمكنك خلقها كي تسمم بيض الوحش, وتخنقه في الرحم؟

لا شك أن الظروف المرغوب فيها تختلف لدى كل فرد. فتخيل الظروف الخاصة بك. هل هي الصلاة من أجل التواضع كل ليلة؟ هل هي الصلاة من أجل القدرة على التسامح عن التجاوزات الرهيبة التي ارتُكبت في حقك وحق من تحبهم؟ هل هي العمل مع المرضى والمحتضرين لتعلم التواضع وإعادة تعلمه؟ هل هي الضحك مع الأطفال الصغار؟ هل هي قراءة الفلسفة؟ هل هي جمع الناس الذين لا يخافونك حولك؟ هل هي قراءة تاريخ المستبدين والمصائر التي يلقونها على أيدي معاصريهم أو على لسان التاريخ الذي لا يخشى لومة لائم؟ هل هي خلق نظام لا يستطيع أحد فيه أن تكون له السلطة المهيمنة؟ هل هي تخيل موتك بعد ستة أشهر من الآن والطريقة التي تريد أن يتذكرك بها الآخرون؟ هل هي التخلي عن القيادة حين تشعر بأن البيضة تحاول جاهدة أن تفقس, قبل أن يظهر الوحش ويلتهمك؟

من خلال محاولة فهم الحقيقة المفزعة لبيضة الوحش الموجودة بداخلنا نستطيع أن نلمس القوة التي تستطيع بلوغها إزاء قادتنا ومساعديهم. نحن لا نريد أن نخسر زعماءنا الموقرين أو رجالنا المخلصين بسبب هذا العدو الذي يهاجمنا من الداخل, ولكن حتى نسمح لأنفسنا بفهم قوة الوحش الموجود داخل البيضة بمجرد أن تفقس وينضج هذا الوحش، لن نلقحها مبكرًا بما يكفي لإحداث فرق. سيفقس الوحش وينمو سريعًا خلال فترة المراهقة وينشط في شكله القبيح، ليصبح مكتمل النمو. وعند هذه النقطة سيلتهم ببساطة أي شيء في طريقه ولن يتوقف حتى يقتله شيء أقوى منه أو يُترك للوقت ليقضي عليه.

إذا فهمنا الطبيعة الأكالة لهذه البيضة, والنمو الرهيب للفقس, فسنصب العلاج في حلق القائد بالسرعة ذاتها التي نعطي بها الكينين من أجل الملاريا. حتى إذا كان يقاوم, فلن نتردد في تلقيحه ضد مرض سريع العدوى يهدده ويهدد دولته بأكملها. فإذا كنا نعرف أنه سينقذ صحته وحياته وشعبه وسمعته, إذن, وانطلاقًا من احترامنا له وحبنا إياه, سنوفر له الوقاية اللازمة.

إذا بدأنا بأنفسنا, من خلال مواجهة الوحش المحتمل بداخلنا, فإننا نستطيع أن نواجه الآخرين دون السعي إلى أن نصبح الشرطة والقاضي والجلاد الخاص بهم. نستطيع أن نكون أتباعهم الأوفياء ونساعد على أن يستمروا في كسب ولائنا. نحن جميعًا أدوات منقوصة للتغيير, وحاملين محتملين للبيضة الخبيثة, وحماة للمثُل الثورية.

آه, هناك تلك الكلمة – المثُل. تذكر دائمًا أن المثالية هي شيء نسعى إليه, وهي شيء من النادر, لو حدث, أن نصل إليه؛ فنحن لسنا مثاليين. إن قادتنا ليسوا مثاليين. وثورتنا ليست مثالية, وليس من الخيانة أن نعترف بأي الطرق عجزنا نحن أو قادتنا عن تحقيق مثلنا العليا. فعلى طول الطريق, نحيد بقدر متفاوت عن المثالية. وهذا ليس خزيًا, بل سمة بشرية. يكون الأمر مخزيًا فحسب حين نتوقف عن التعلم من انحرافاتنا وعن السعي إلى المثالية, بينما نصر على أن يلتزم الآخرون بها. ومن ثم نصبح منافقين, والمنافقون يشعرون بخزي شديد وما من مفر لهم إلا إلحاق الأذى بالآخرين أو تدميرهم لإخفاء خزيهم.

تذكر هذا: يتمثل طعام البيض الحامل للوحش وغذاؤه وتخصيبه في السلطة والشغف لها. هذه هي المفارقة الكبيرة للثورات. تسعى كل الثورات إلى إعادة توزيع السلطة, ويحتاج قادتنا إلى سلطة أكبر لتحقيق أهدافهم الثورية. وبدون السلطة لا يستطيعون محاربة الأشرار, ولا يتمكنون من تحقيق العدل. وتتمثل مهمتنا في مساعدتهم على الحصول على السلطة, والتي هي هدفنا, ولكنا بهذا الفعل نعرضهم إلى مخاطر استيقاظ الوحش الموجود في البيضة.

وبينما نحقق نحن النجاح, وبينما نكتسب القدرة على توجيه انتباه العالم وجلب النظام القمعي إلى طاولة المفاوضات أو إرساله إلى المنفى, وبينما نحشد الجماهير في الشارع, وبينما تحدث كل الأشياء التي من أجلها أعطينا كل شيء, تبدأ البيضة في الاستيقاظ؛ حيث تحوي أعظم لحظات انتصارنا بذور التهديد الأعظم لمثلنا العليا وأحلامنا. وهذه هي المفارقة التي يجب على كل ثائر الانتباه لها.

وحينما ينال المرء السلطة تبدأ دورة خطيرة؛ فهؤلاء الذين يحصلون على بعض الصلاحيات الدنيوية يستمتعون بمذاقها, ويمارسونها كما ينبغي أن يفعلوا؛ لأن السلطة يجب أن تُستخدم. وينتابهم شعور مُرض بالقوة والانتفاع الذي يشعر به المرء حينما يدرب عضلاته. ويشجعهم هذا الشعور على استخدام السلطة بدرجة أكبر, وحينما يتم ذلك, يجدونها أكثر متعة, فينشط مركز المتعة في عقولهم بقوة حيث يكون الحصول على السلطة إستراتيجية تطورية رئيسية؛ فهو أمر شديد المتعة حتى إننا يمكن أن نعتبره أشبه بالمخدر, ويمكن رؤية بدايات الشغف إلى المخدر أو الشعور بها.

وفي هذه المرحلة يمكن أن تبدأ دورة مفرغة؛ فهؤلاء الذين ذاقت نفوسهم حلاوة السلطة قد يبدأون في الخوف من فقدانها, ربما مثلما يحدث مع المدمن الذي قد يصبح قلقًا بشأن فقدان مصدر إمداده بالمخدرات؛ فقد يشرعون في التصرف بطريقة مختلفة للاحتفاظ بسلطتهم, وعلى نحو عفوي, يبدأون في إطعام البيضة, فتصبح أفعالهم الصغيرة أقل نقاء من الأفعال التي اتخذوها في السابق. وهم يدركون ذلك, رغم أنهم يبعدون هذا الإدراك عن أذهانهم. إنهم يدركون, رغم أنهم لن يعترفوا بذلك, أن أفعالهم الدنيئة تؤذي الآخرين.

ومن ثم تبدأ دورة أخرى؛ إذ يخشون الانتقام في حال اعتلى السلطة من كانوا قد ألحقوا به الأذى. ونتيجة لذلك, يقدمون على إلحاق المزيد من الأذى بهذا الشخص لإضعاف قدرته على الانتقام. وإذا فعلوا ذلك, فسيصبحون أكثر خوفًا من الانتقام. وتنمو البيضة. وتستمر الدورة في الجريان إذا لم يعُقها شيء. فتنمو البيضة وتصل في نهاية المطاف إلى مرحلة الفقس. وإذا لم تتعرقل الدورة سريعًا, فإن البيضة تصل إلى حجمها الكامل وتتكسر قشرتها, فتخرج منها مخلوقات خبيثة.

يذهب بعض من المفكرين العظماء في هذا الموضوع إلى أبعد من ذلك. وقد بحثت عن المفكرين في هذا الموضوع لعقود؛ إذ كنت بحاجة ماسة إلى إجابات عن هذه الظاهرة التي لاحظتها. فما تفسير تلك الظاهرة المرعبة لملايين الوفيات التي وقعت على أيدي هؤلاء الذين انطلقوا لتحرير شعبهم من القمع – أصدقائي “فلاديمير لينين” والعم جو “نسر جورجيا” و”ماوتسي تونج” و”بول بوت”؟ وهؤلاء هم فحسب الأكثر شهرة.

ربما هذه هي البيضة. ربما حتى قبل أن نقتل بأنفسنا شخصًا آخر في المعركة أو في المحكمة الثورية, نرى الآخرين وهم يسقطون حولنا. وحتى إذا كنا نحبهم, وسنفتقدهم, نشعر بارتياح فائق الوصف في أعماقنا بأننا أفضل منهم؛ لأننا نجونا من الموت بينما لم ينجوا هم منه. وهذا يملؤنا بشعور عجيب ولذيذ بالقوة. ولأننا لا نقدر على الاعتراف بهذا الشعور الشاذ في مواجهة موت رفاقنا, ولا حتى أمام أنفسنا, فإن البيضة تبدأ في الفقس. فإذا كان هذا الشعور بالقوة ممتعًا للغاية, فكيف يمكن أن يكون الشعور بها مرة أخرى؟ ومرة أخرى؟ ومرة أخرى؟

تتناغم دورة الخوف من الانتقام مع دورة الإدمان والشغف بالسلطة, وكل دورة تدعم الأخرى, فيتعذر إيقافها وتخرج عن السيطرة, وتغلِّف الأفعال الأولى بالمنطق الثوري. لا بد بالطبع من سجن هذا الشخص أو قتله. وذلك الشخص. وهؤلاء الأشخاص. وأولئك. ومن ثم, إذا حصلنا على قدر كاف من السلطة, حتى لا نصبح بحاجة إلى التبرير الثوري وتصبح أفعالنا هي ببساطة أفعالنا, يصبح تعبيرنا عن القوة التي نتمتع بها. وحتى يبدأ هؤلاء المحيطون بنا في إدراك أنهم لم يعودوا يخدمون الثورة, بل شيئًا آخر. إنه الوحش!

وفي نهاية المطاف, ومثل كل الدورات, تستنفد الدورة نفسها, حتى إذا لم يحدث هذا إلا نتيجة للشيخوخة والاضمحلال والموت الذي يتغلب في النهاية على الوحش, رغم الجهود الخارقة لتجنبه. أو, تولد دورة التطهير والقتل دورة ضخمة موازية. ويجعل البعض الآخر وقف هذه الدورة المخيفة محور حياتهم, مثلما تجعل أنت الآن الثورة محور حياتك. لكنهم يكونون قد تأخروا أكثر من المطلوب وقد يستغرق الأمر الآن سنوات أو حتى أجيالًا, وفي الوقت نفسه فإن المعاناة التي تتبع ذلك تكون ملحمية.

لذا من الأفضل كثيرًا تدمير البيضة الآن, لكن السر الذي أبحث عنه, والذي من غير ريب سأموت دون إيجاده, هو كيفية تغيير مكونات البيضة – كيفية إعادة برمجة حمضها النووي حتى يكون هناك اعتراف بأن الهروب من الموت الذي يسعى إليه الثوار الحقيقيون, لا يكمن في عقاب الآخرين بالموت, وليس في إظهار هيمنة المرء على حياتهم, لكن في كونهم آباء وأمهات حقيقيين لمجتمع جديد, مجتمع أكثر عدلًا يثني عليه أجيال المستقبل بينما يتخلون عن نمط القمع القديم. ولعل جيلك يستطيع أن يكسر هذه الدورة الفاسدة الأولية التي تعيث فسادًا، والاستعاضة عنها بالدورة الفعالة التي تخلق عالمًا أفضل. سأكون مرتاحًا أكثر في قبري إذا سمعت بطريقة ما أنك نجحت في هذا.

لكن سواء أكانت دورة صناعة الوحش قابلة للحل طوال الوقت أم لا، فمن الممكن درؤها في ثورتك. فإذا فطنت إلى وجود البيضة، وعلامات خصوبتها، والحاجة القصوى إلى إجهاضها، أو حرمانها من القوة التي تطلبها للنمو، فإنه يمكنك إبعادها عن استهلاك العمل الذي تكرس حياتك من أجله. نحن لا نملك كل الإجابات عن كيفية التخلص من البيضة أو منعها من الاحتضان, لكني أعرف الإجابة وسأقولها لك الآن. فالإجابة هي ألا تفعل شيئًا. فربما تحب قائدك الثوري أو تخافه كثيرًا لدرجة أنك، أول المراقبين لنمو البيضة، لا تفعل شيئًا كي يدرك القائد مخاطرها. هذه هي الإجابة.

تتطلب مواجهة هذا الأمر شجاعة وشخصية قوية ولكن يمكنك القيام بذلك. أولًا، ابذل كل ما بوسعك كي تجعل الرفيق الثوري الذي تفقس بيضته يراها، ويفهمها، ويستخدم شعوره بالهدف الأعلى وإرادته لضبطها واحتوائها أو تجويعها حتى تضمر. وفي الوقت نفسه، أنشئ آليات جماعية لتوزيع السلطة حتى تتمكن من خفض أو غلق الصنبور الذي يخصب البيضة في أي من قادتك.

لكن إذا لم تتمكن من تنبيه القائد الذي توشك بيضته على الفقس لما يحدث، للموافقة على حدود من شأنها أن توقف نمو البيضة، فيجب أن تعارض ذلك القائد. إن الخطأ الأكبر الذي يمكن للمرء أن يفعله عندما يشعر بالاشمئزاز من سلوك سيطرة فصيل واحد على السلطة، هو مغادرة المؤتمر أو الاجتماع والتنازل عن السلطة إلى الوحش الأولي. يجب عليك أن تتجنب فعل ذلك بأي ثمن. ورغم أن مواصلة العمل مع رفاق يظهرون سلوكًا غير مقبول أمر يثير الاشمئزاز، فإنه السبب ذاته الذي يجب ألا تتخلى من أجله لهم عن الميدان. ويؤسفني أن أقول عند التفكير فيما حدث في السابق، إنه لم يكن ينبغي للجناح الديمقراطي للحزب أن يتخلى عن “فلاديمير لينين”. فلم يكن الأمر أخف سوءًا من تخلي “جريجور ستراسر” عن الحزب الاشتراكي الوطني وترك المجال للوحش “هتلر”.

ابحث عن القادة الذين لا يظهرون علامات على وجود هذه البيضة بداخلهم, وسخر كل جهودك لهم. قد لا يتسمون بالجاذبية وحلاوة اللسان، ولكن يمكن الوثوق بهم. ادعم القادة الذين يعتلون السلطة ويمررونها للآخرين، الذين يستخدمونها ولكن لا يتلهفون عليها, والذين يدركون أنهم يخدمون الشعب وأن الشعب لا يخدمهم.

يجب أن تفعل هذا إذا كانت الثورة ستتم مهمتها ولن تصبح وصمة أخرى في تاريخ شعبك الذي يتكبد المعاناة. صدق كلامي, لا بد أن تفعل ذلك. لا ينبغي لوصمات التاريخ أن تصبح وصمات ثورتك. ولا تفترض أن شخصًا آخر سيهتم بهذا؛ فقد يكون هذا هو الإسهام الأكثر أهمية الذي تقدمه للثورة.

كتب أخرى بقلم إيرا كاليف